الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
319
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
وهو فارس الشاهين جواد كان له جواد لم يكن لأحد باليمن ولا بالحجاز مثله ، وكان لا يخرج عليه في الحلبة جواد لأحد . وعرض له فيه حماد البربري « 1 » فأهداه إلى هارون الرشيد « 2 » وكان له خبر عجيب « 3 » . وكان لعباد من الأولاد : الحارث ، والغمر ، وحجر ، والمسلم ، وجعفر ، وأبو الحسن ، والأحنف ، وعبد اللّه . وكان حماد أو غيره قد رفعه إلى العراق ، فمنّ عليه ، فانصرف من باب
--> ( 1 ) حماد البربري : هو مولى لهارون الرشيد . وكان قدومه اليمن في شوال سنة 184 ه ، وأوصاه هارون الرشيد بتلك الوصاية التي إن دلت على شيء فإنما تدل على ما كان يحمله الرشيد من شنآن وبغض لأهل اليمن ، رغم ما بينهم من صهارة وقربى وأواصر رحم . والوصاية هي : « أسمعني أصوات أهل اليمن » . وفعلا ظلم واضطهد حتى أسمعه صوت أهل اليمن ؛ فقد اشتكوا بحماد في موسم الحج إلى هارون ، فأجابهم بقوله : « ولا كرامة » . وأسباب تولية حماد لليمن ، أن سلفه محمد بن برمك أخا خالد بن برمك ، كان واليا على اليمن ، وكان عادلا خيرا ، حسن السيرة ، كما يأتي في ترجمته قريبا ؛ فانتفضت عليه تهامة وحصل منهم الشغب ؛ فكتب لهارون يتنصل ويستعفيه من ولاية اليمن ، فقبل منه وعزله وولى حمادا ، فدخل اليمن وعاث ولاث ، فثارت اليمن في وجهه وضيقوا عليه الخناق وحاصروه بصنعاء ، وكاد اليمن يفلت من يده ، لولا أنه استنجد ببغداد وهي في أبان عظمتها وأوج قوتها ، فأمدته بعشرة قواد من أعظم القواد الماهرين ، وتحت كل قائد عشرة آلاف جندي ، حتى صارت اليمن كتلة بشرية تموج بالدماء والدمار ، ودامت الثورة تسع سنوات . وكان حامل لوائها الأمير الشهير الهيصم بن عبد الصمد الحميري ، الآتي ذكره في الجزء الثاني مع شيء من التفصيل إن شاء اللّه . ( 2 ) هو أمير المؤمنين هارون الرشيد بن محمد المهدي . ولد بالري من خراسان لثلاث بقين من شهر ذي الحجة سنة 145 ه ، وتولى في عهد والده عدة ولايات ، تجلبت فيه المقدرة السياسية والمقدرة الحربية . ثم ولى الخلافة في الليلة التي توفي فيها أخوه الهادي ، وهي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة 170 ه ، وهي الليلة - التي قيل فيها - مات فيها خليفة ، وقام فيها خليفة ، وولد فيها خليفة ، كما تقدم في ترجمة المأمون ويعتبر هارون الرشيد أشهر خلفاء بني العباس ؛ فقد بلغت بغداد في عهده درجة لم تصل إليها من قبل ، فأصبحت مركز تجارة العالم ، وكعبة رجال العلم ، وعصره أزهى عصور التاريخ ، واشتهر اسمه في بلاد الغرب كما اشتهر في الشرق . قال الفخري : وكانت دولة الرشيد أحسن الدول وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا ، وأوسعها رقعة مملكة ؛ فجبى الرشيد معظم الدنيا ، ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتّاب والندماء ما اجتمع على باب الرشيد . وكان يصل الواحد منهم أجل صلة ويرفعه إلى أعلى درجة ، ومناقبه كثيرة . ومات يوم السبت لأربع ليال خلون من شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وهو ابن أربع وأربعين سنة ؛ فكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة . ( 3 ) ليت أن أبا محمد أتحفنا بهذا الخبر العجيب ، ولعله احتفظ به في أحد مؤلفاته .